عبر ملايين السنين من توسع الحياة على الأرض، يقف ظهور "الإنسان العاقل" (Homo sapiens) كذروة لهذه الملحمة؛ وهي النقطة التي يتجاوز فيها الوعي وقوة الفكر عوالم المادة والطاقة. فمن خلال تسخير قوانين الطبيعة، أصبح الإنسان قادراً على الخيال، وصنع الأدوات، والابتكار، متجلياً بذلك قبسٌ من القوة الإبداعية.
كل هذا لم يكن ليتصور لولا "الحكمة". وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار دور "اللغة"؛ فالكلام ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو أداة لمشاركة التجارب. فلولا اللغة، لما تطور الوعي البشري الفردي أبداً إلى "وعي جمعي فائق" عبر الزمن؛ ولما تشكلت حضارة، ولما حدث أي تحول ملموس في مسار الحياة البشرية.
في روايات الخلق، يُحكى أنه عندما خلق الله الإنسان، رفض الشيطان السجود، مدركاً نفسه من نار والإنسان من طين. ومع ذلك، عند فحصه لهذا المخلوق، اكتشف سراً: إن السمة الأكثر تحديداً للإنسان هي "الحكمة" وقدرته على التفكير. ومن هذا الإدراك بدأ قسم الشيطان بتضليل البشرية؛ إذ فهم أن الطريق الوحيد لصرف الإنسان عن صراطه الأصيل هو "إطفاء جذوة الحكمة".
اعتماداً على هذا الارتباط الذي لا ينفصم بين الفكر واللغة، فإن الهدف من هذه الكتابة هو توظيف أدوات الخطاب والحوار لإعادة اكتشاف ونشر "الحكمة الخالصة". ويعد هذا مقدمة لسلسلة من المقالات بعنوان "في مديح الحكمة"؛ وهي مجموعة سأجتهد فيها، بالاستناد إلى النص القرآني والمناهج العلمية المنطقية، لإعادة فحص التمييز الجوهري بين البشر والكائنات الأخرى. وفي هذه الرحلة، سنستكشف المغالطات القديمة والتحديات الفكرية المعاصرة التي تعيق مسار الحكمة؛ لأنني أؤمن بأن مفتاح حل عقد اليوم يكمن في العودة إلى التفكير الحر، بعيداً كل البعد عن الدوغمائية.
التأكيد على التفكير والتعقل
إن واحدة من أخطر المغالطات التي تُكبل الحكمة البشرية هي تفويض المسؤولية كاملة لقوى ميتافيزيقية (ورائية)، وما يتبع ذلك من تهميش لدور "الفعل" و"القانون". وللخروج من هذا المأزق الفكري، لا بد من الاتفاق على مبدأ كوني يمثل حجر الزاوية لكل خطاب عقلاني، وهو أن العالم يُحكم بـ "قوانين الطبيعة الثابتة" و"الإرادة والفاعلية الحرة للإنسان".
هذا المبدأ موضوعي بامتياز؛ إذ يُعد قبول "الإرادة الحرة" الركيزة الأساسية لكل نظام قانوني وأخلاقي في العالم. فبدونها، لا معنى للجريمة ولا للعقاب؛ فلا يمكن إدانة قاتل ولا مدح بطل. وحتى عند مواجهة طغيان مستبد، فإن هذين المبدأين لا يُنتهكان؛ بل نكون أمام سوء استخدام لـ "الإرادة الحرة" لإنسان ما، واستغلال لأدوات القوة (القائمة على قوانين طبيعية)، وليس أمام قدر محتوم أو سماوي.
إن الاختلاف في الرؤى يكمن فقط في تفسير مصدر هذين المبدأين:
١. الموحدون الحقيقيون يؤمنون بأن هذه القوانين وقوة الإرادة الحرة هي من تصميم وتفويض خالق واحد للبشرية.
٢. غير المؤمنين يعتبرونها نتيجة لعمليات مادية وتطورية.
٣. أما عبدة الخرافة، فمن خلال عزو كل حدث إلى إرادات شخصية (أهواء) خارجة عن نطاق قانونية الطبيعة، فإنهم يهينون قدسية الحكمة ويعيقون طريق المسؤولية البشرية.
"إن الله منزه عن الانشغال بمثل هذه التفاصيل!"؛ هذه العبارة ليست إنكاراً للخالق، بل هي تنزيهٌ للقانون الذي وُضع ليدور العالم على محور الإرادة الحرة المفوضة للإنسان العاقل. وفي هذا الإطار، عندما يدرك الإنسان قوانين الطبيعة ويوظفها لحياة أفضل، فإن ذلك هو جوهر "العدل".
في عالم قائم على المعرفة، يحررنا قبول هذين المبدأين من انتظار المعجزات أو الخوف من الخرافة. نحن لسنا ضحايا للقدر مسلوبي الاختيار، بل نحن مراقبون وفاعلون عقلانيون يتوجب علينا صياغة مصيرنا بإرادة حرة من خلال فهم قوانين الوجود.
التأكيد على القوانين الطبيعية والعقل البشري
إن المهمة الجوهرية للعقلانية في مسار التوحيد هي تفكيك "عبادة الشخصية" واستبدالها بسيادة "المبدأ المقدس" أو "الحقيقة". إن أعظم مغالطة تسجن الحضارات هي العودة إلى عصر الوثنية في ثوب جديد؛ وهي حالة يتم فيها استبدال "الحقيقة" بـ "كائن بشري".
من التجسيد إلى "الأنسنة الملائكية"
تعجز العقول المتجنبة للعقلانية عن استيعاب المفاهيم المجردة، وتميل إلى تجسيد الحق والعدالة في إطار صنم بشري (التجسيد البشري). وتستغل الحركات التوتاليتارية (الاستبدادية) هذا الضعف من خلال إضفاء طابع "ملائكي" على شخصيات معينة لرفعهم إلى مرتبة "العصمة المطلقة". الهدف من هذه المغالطة هو جعل الشخص فوق مستوى النقد؛ فبمجرد افتراض عصمة فرد ما، يُعتبر أي نقد له "تجديفاً"، مما يؤدي إلى إغلاق بوابات الحكمة.
الحكمة: الرسول الباطني مقابل سجن العقل
في الرؤية العقلانية، يُشار إلى "العقل" بوصفه الرسول الباطني؛ فكما أن الأنبياء هم رسل ظاهرون، فإن الحكمة هي مبعوث الله داخل كل إنسان. بناءً على ذلك، يجب أن يظل التركيز الأصيل على فاعلية وإرادة الفرد العاقل الحكيم. إن تقييد العقل داخل إرادة شخص واحد -تحت أي مسمى، سواء كان ولياً أو خليفة أو قيماً- هو في الحقيقة إنكار لهذا الرسول الباطني وتعطيل للأمانة الإلهية المودعة لدى كل فرد.
مواجهة الحرية والاستبداد: من النظام الثكنوي إلى الأسر الديني
من خلال تشريح مفاهيم مثل "الولاية المطلقة"، و"الخلافة"، و"القوامة البشرية"، نصل إلى حقيقة عارية: وهي أن هذه المفاهيم في الواقع ليست سوى "نظام ثكنوي" (عسكري) تروج له هياكل عسكرية وشبه عسكرية. في الثكنة، تعتبر "الطاعة العمياء" هي الفضيلة الأسمى؛ أما في النظام العقلاني المتمحور حول الحقيقة، فإن "الإرادة الحرة" و"الحرية" هما أساس الخلق البشري.
النمط الفرعوني المستمر: تملك الأرواح والأموال. إن أي شكل من أشكال الحكم يفرض إرادته الشخصية على الناس هو في الواقع إعادة إنتاج لنموذج "فرعون". فرعون أيضاً ترأس حكومة دينية؛ لم يكن مجرد حاكم سياسي بل ادعى مكانة مقدسة، وحث الناس على عبادته، وادعى ملكيته لأرواح وأموال وحتى مصير بني إسرائيل. وهذا هو بالضبط الادعاء الذي يُطرح اليوم تحت اسم "ولاية الفقيه": ادعاء بالوصاية على المصائر الوطنية تحت غطاء النيابة الإلهية.
خديعة اكتساب السلطة من المقدس: يثبت التاريخ أن هذا كان المنهج الأزلي للأنظمة الاستبدادية: استخدام ما هو مقبول وشائع لدى الجماهير لاكتساب "السلطة" (Authoritas). في هذه العملية، لا يهم إذا كان المجتمع غارقاً في الخرافة، أو مستضعفاً، أو حتى موحداً؛ فالحاكم المستبد يبني سلماً للوصول إلى مرتبة "تأليه الذات" مستخدماً كل ما "يؤمن" به الناس. هذا الفعل، بغض النظر عن القيمة المتأصلة لذلك المعتقد، هو مثال صارخ على "الخداع والإساءة".
موسى (عليه السلام): رائد التحرر والحرية. في هذه الرؤية، يجب اعتبار النبي موسى (عليه السلام) واحداً من كبار رواد الحرية. لم تكن مهمته دينية فحسب، بل كانت حركة تحررية لكسر أغلال "قوامة فرعون" على البشرية. لقد نهض لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان ولقيادتهم نحو "الحقيقة غير المتوسطة" والحكمة الحرة.
الشرك في ثوب الدين: غالباً ما يتهم مروجو هذه الأنظمة الثكنوية منتقديهم بـ "الإلحاد" أو "الهرطقة"، ولكنهم في الواقع يمثلون أقصى درجات الشرك؛ لأنهم أجلسوا بشراً خطاءً في مكانة الله المقدسة واستبدلوا الحقيقة المطلقة بإرادته الشخصية. إنهم ينتزعون "موازين الحكمة" من الأمة لكي ينفردوا هم وحدهم بكونهم الميزان الوحيد للحق والباطل.
من خلال وصف جلال الحق، يؤكد القرآن الكريم أن القداسة تعود إليه وحده (الحشر: ٢٣)، ويفكك بذلك مؤسسة الوساطة:
التأكيد على صفات الله في المنظور التوحيدي للأديان الإبراهيمية
نفي الولاية لغير الله: "...وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ" (البقرة: ١٠٧)
التأكيد على أنه لا ولي ولا نصير إلا الله
نفي الشفاعة والوساطة: "...لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ..." (الأنعام: ٥١)
نفي الشفاعة والوساطة
بناءً على ذلك، فإن التوحيد يعني أنه لا يوجد بشر، بأي صفة كانت، يعمل كوسيط إجباري بين الحكمة والحقيقة. إن الأنظمة القائمة على "الولاية" البشرية، من خلال تحويل "الشخص" إلى كيان مقدس، قد ارتدت إلى ممارسات الشامانية والفرعونية. إن العودة إلى الحكمة مرهونة بتجاوز هذه الوثنية واستعادة "الإرادة الحرة".
إن الضربة الأولى والأكثر فتكاً التي يوجهها الفكر الفقهي لجسد الحكمة الخالصة هي التجاهل المتعمد لعنصري "الزمان والمكان". فبإصرار غريب، يحاول الفقهاء فرض أنماط الحياة الحيوية والمعيشية لشبه الجزيرة العربية قبل 1400 عام كخريطة طريق أبدية لإدارة المجتمع المعقد في إيران القرن الحادي والعشرين. هذا النهج ليس مجرد خطأ بسيط، بل هو مغالطة جوهرية؛ فمن خلال تحويل السلوكيات والأقوال التي كانت تتناسب مع "الجاهلية الحجازية" إلى أساس قانوني لأمة في عصر التكنولوجيا، يمثل ذلك نكراً صريحاً للعقلانية البشرية. وفي الواقع، فإن الفضائل الفردية لأي شخصية في قلب التاريخ لا تصلح أبداً كترخيص لتحويل تفضيلاتهم وأحكامهم المؤقتة إلى "قوانين غير قابلة للتغيير" للعصور اللاحقة.
يجب الإقرار بالحقيقة التاريخية القائلة بأن ظهور أي مدرسة فكرية في سياق التاريخ كان "عملية" (Process)؛ أي تطوراً يتكيف مع قدرات ذلك العصر المحدد. إن الاعتقاد بأنه مع وصول عقيدة ما، انقطعت المجتمعات فجأة عن كل الروابط الزمنية ووصلت إلى الكمال المطلق، هو وهم باطل. لذا، لماذا يجب أن يكون نمط حياة السلف -الذي، بالمناسبة، لم يحمل أي علامات لمجتمع مثالي (يوتوبي)- هو الأساس لحكم مجتمع حديث؟
إن النقاش حول "مقتضيات الزمان والمكان" لا يقتصر على فترة معينة؛ فسواء كان ذلك قبل 3500 عام في العصر الكنعاني، أو قبل 2500 عام في العصور القديمة، أو قبل 1400 عام، فقد ظل البشر دائماً مقيدين بالحدود المعرفية والأدواتية لعصرهم، ولا يمكن تعميم هذه الأساليب على العالم المعاصر.
التأكيد القرآني على ملاءمة ظروف الزمان والمكان ونسخ الآيات
في الحقيقة، قبل القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبسبب بساطة الهياكل الاجتماعية ومحدودية السكان، ربما كان نموذج "تقديس الفرد" يعمل كحل للحفاظ على نظام قبلي هش. ومع ذلك، مع تطور المجتمعات -وخاصة التوسع السكاني غير المسبوق- لم يعد من الممكن لـ "شخص" واحد إدارة مجتمع بأكمله بكل تعقيداته. في الواقع، إن ركود الحضارات عبر التاريخ ينبع تحديداً من هذه النقطة: حبس الإمكانات اللامتناهية للحكمة الجمعية داخل القفص الضيق لإرادة وتمييز فرد واحد.
من خلال تشريح المشهد القانوني الحالي في إيران بدقة أكبر، نصل إلى حقيقة مرعبة: وهي أن هذا النظام القانوني لم يُبنَ على أسس الحكمة، بل على "بنية وهمية". يبدو أن حراس هذا الفكر، لما لم يجدوا سبيلاً لادعاء النبوة الفعلية لأنفسهم، اختلقوا "شخصية ميثولوجية" خلف حجب الغيبة. وبذلك، ضمنوا لأنفسهم ريعاً مقدساً لكي يتمكنوا، في غيابه، من تصوير "إرادتهم الشخصية" كقانون تحت مسمى "النيابة".
هذا هو بالضبط المأزق الفكري الذي حذر منه القرآن مراراً وتكراراً؛ كما جاء في قوله تعالى:
إشارة قرآنية إلى عبادة الأوهام والأساطير.
إن قادة هذه الأيديولوجيا، باستبدالهم "الحقيقة الموضوعية" بـ "الأوهام اللفظية"، وضعوا المجتمع في حالة يتفوق فيها وهم شخص واحد على حكمة أمة بأكملها. وهنا تتجلى آثار التحذير القرآني بشأن التأثير الشيطاني -المتستر بعباءة القداسة و"زخرف القول"-:
الإشارة إلى عبادة الأوهام والأساطير كما وردت في القرآن الكريم.
إن "زخرف القول" هذا يتكون من تلك التبريرات الفقهية التي تحاول فرض أمر وهمي ولا تاريخي على الناس باعتباره "المبدأ الأكثر قداسة في الدستور". عندما تُنتزع حقوق بلد ما من مجال "العقل الجمعي" وتُنقل إلى مجال "الأوهام الفردية"، فإن النتيجة ليست سوى "اجترار لاستبداد العصور الوسطى" في قلب العصر الحديث. في الواقع، هذا ليس نظاماً إلهياً، بل هو نوع من "الشامانية الفقهية"، حيث تدعي مجموعة صلةً بكائن ميثولوجي للهيمنة على أرواح الناس وأموالهم وحرياتهم من خلال هذا الوهم بالذات.
بهذا التحليل، يتضح بجلاء أصل العداء الطويل الذي يكنّه الفقهاء لـ "العقل الحديث الحسابي". فالعقل الحديث، المسلح بأدوات النقد والمراجعة القائمة على الأدلة، يتحدى أي ادعاء يفتقر إلى السند التجريبي والموضوعي. وبناءً على ذلك، فإن المشتري الوحيد للفكر الفقهي الحالي هو إما من يعاني من ضعف في الملكات الإدراكية، أو من فقد القدرة على التمييز بين "الواقع" و"الوهم" تحت تأثير التلقين المخدر. في الواقع، لا يزدهر هذا النظام القانوني إلا في أجواء يتم فيها تعطيل الحكمة واستبدال "التحليل الموضوعي" بـ "التخدير الذهني".
وهنا، لابد من الإشارة إلى المغالطة الكبرى المتعلقة بمفهوم "العدالة". فالعدالة ليست مجموعة من التعليمات الهابطة من سماء الأوهام، بل هي مفهوم بشري حديث ابتكره الإنسان للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وضمان التعايش السلمي. ونظرة واحدة إلى العالم المعاصر تثبت هذه الحقيقة:
ففي الدول التي قبلت العدالة كعقد اجتماعي قائم على حقوق الإنسان، نلاحظ أن عدالة نسبية قد تحققت في ظل الحرية؛ لأن القانون هناك نتاج للحكمة الجمعية وليس نتاجاً لإرادة كائن ميثولوجي ونائبه. وعلى العكس من ذلك، في دول مثل إيران التي تدعي تحقيق "العدالة المقدسة"، فإن ما يُلاحظ في الممارسة العملية ليس سوى القمع العميق، والتمييز، والظلم الممنهج.
التأكيد على الوسائل والمقاييس الأرضية لإرساء العدالة.
إن ادعاء العدالة المقدسة ليس سوى غطاء للهروب من المسؤولية؛ لأنه عندما تتحول العدالة إلى شيء "ميتافيزيقي" و"تمثيلي"، فإنه لا يمكن قياسها بمعيار العقل البشري، ويصبح الطريق ممهداً لارتكاب أي جريمة تحت مسمى مقدس. والحقيقة المرة هي أنه بين "وهم الفقهاء بالعدالة الإلهية" و"العدالة البشرية الحقيقية"، تكمن هوة سحيقة بعمق العصور الوسطى بأكملها.
نقطة أخرى تتعلق بالواقع الموضوعي والصادم لهذا التخدير الذهني، وهي الازدواجية في التعامل مع "السُّكر" في إيران. إن المعارضة الشرسة للكحول (الذي غالباً ما يكون رمزاً للبهجة الاجتماعية واليقظة النقدية) إلى جانب التسامح -بل وحتى المصاحبة والتشجيع- للمخدرات التي تقود العقل نحو الخمول والتبلد والخيالات، ليس من قبيل الصدفة.
هذا النهج هو إعادة إنتاج للنمط "الشاماني" القديم، حيث كان استخدام المواد المخدرة وسيلة لخلق وهم "الشهود" وادعاء "التواصل مع الغائب الميثولوجي". فعندما يبتعد العقل، من خلال التخدير (سواء كان فيزيائياً أو أيديولوجياً)، عن الواقع الموضوعي، يصبح قبول "الكائنات الوهمية" و"القوانين العابرة للزمان" أسهل. في الحقيقة، إن انتشار مقاهي النرجيلة والمواد المضافة المجهولة فيها يعمل كاستعارة لهذا الفقه الذي، من خلال تعطيل القوى النقدية للعقل، يغرق المجتمع في نوم عميق من العصور الوسطى لكي لا يسأل أحد: "كيف استبدلت إرادة شخص غائب الحكمة الحية لملايين البشر؟"
قبل تقديم التحليل النهائي والاستنتاج بشأن سلوك القائمين على هذا النظام الفكري، تجب الإشارة إلى أننا نتعامل هنا مع ظاهرة "الكاذب المحترف". تكمن القوة التدميرية لهذه الحركة في كونهم يصدقون كذبتهم أولاً (باعتبارها حقيقة مقدسة) لكي يتمكنوا من بناء "حبكة قصصية" متماسكة ومخادعة فوق ذلك الأساس. إن أحد أكثر أساليب الخداع تطوراً هو ذكر جزء من "الواقع" بهدف صريح هو تدميره؛ وهم يفعلون ذلك من خلال إزاحة الثقل الدلالي للحقيقة. على سبيل المثال، عندما يواجهون انتقادات عقلانية موثقة تستند إلى النص الأصيل للقرآن، تلجأ آلة الدعاية -بدلاً من معالجة المحتوى- إلى "اغتيال الشخصية" و"الوصم الأمني". إنهم يستهدفون نوايا الكاتب لصرف ذهن الجمهور عن "جوهر الحقيقة"، وإخفاء الواقع تحت كفن من المفاهيم السلبية والمثيرة للخوف. هذا هو جوهر "الخداع الفقهي"، حيث يتم تصوير سماع كلمة الحق على أنه مؤامرة شريرة.
على عكس كل الافتراءات الفقهية التي تسعى لاعتبار البشر "قاصرين"، يجب الإعلان بيقين مطلق: أن المصدر الأصيل والوحيد للمعرفة الذي لا يتزعزع هو "العقل" و"الفكر" وحدهما. إن أي شيء يقع خارج دائرة الحكمة يفتقر إلى الأصالة والصلاحية. وحتى المفاهيم مثل "النبوة" أو "الشهادتين" لا تكتسب قيمة إنسانية أو إلهية إلا عندما تتشكل على أساس من الاختيار الواعي والتقييم العقلاني. إن قبول أي أصل أو فرع من فروع الدين لا معنى له بنيوياً بالنسبة لشخص "غير عاقل"؛ لأن الدين موجه لـ "الإنسان"، والخط الفاصل بين الإنسان والحيوان ليس سوى قوة التمييز والحكمة.
ولتوضيح هذه الحقيقة، يمكننا استخدام تشبيه بسيط: العقل يشبه بوصلة دقيقة للتنقل في مسار الحياة. فإذا كنت تنوي السفر من طهران إلى رشت، فهل يمكن للتحرك بناءً على اتجاهات وهمية أو عشوائية -أو الاتباع الأعمى لادعاءات ملاحية لشخص آخر لا يعرف الطريق بنفسه- أن يوصلك إلى وجهتك أبداً؟ بالتأكيد لا. وهذا المنطق نفسه ينطبق على المعرفة وتوجيه المجتمع. لذلك، فإن العقل والحكمة هما المرجعان الوحيدان للمعرفة؛ وهي حقيقة يؤكد عليها النص الأصيل للقرآن بكثافة، حيث يدعو البشرية مراراً وتكراراً إلى التفكر والتدبر.
إن المصدر النهائي للحكم والمعرفة هو "عقل المرء نفسه"، وليس إرادة أو تمييز أو فتوى أي شخص آخر (تحت أي مسمى، سواء كان ولياً أو خليفة أو قيماً أو نائباً). إن تسليم زمام العقل لشخص آخر هو إنكار للإنسانية وارتداد إلى مستوى غريزي حيواني. إن التوحيد الحقيقي يكمن في التحرر من أغلال "قوامة البشر على البشر" والوقوف على قمة الحكمة الحرة. إن أي حكم لا يتوافق مع موازين العقل البشري السليم لا يصدر عن "الحق"، بل ينبع من تلك "الأوهام" و"الخداع" التي أبقت الحضارات في الظلام لقرون.
العقل هو المصدر الأصيل الوحيد للمعرفة، وهو بمثابة البوصلة لحركة الإنسان الحر.